إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 19 فبراير 2011

أنفاس محترقة



لم يكن ذلك المساء الذي صحوت فيه على صراخ وعويل أخواني وأخواتي إلا بداية حياة أخرى بالنسبة لي،فقد كان حلماً مزعجاً  تحول إلى واقع عشته تلك الليلة فقط ونسيته بقية حياتي..
لم تذرف عيناي دمعة واحدة لموت أمي ولم تؤثر فيني  تلك الحادثة، لا أدري ولا أعلم السبب فقد مرت تلك الليلة والليالي والأيام التي تليها بدون أن تتحرك أحاسيسي ومشاعري أو حتى أتظاهر بالحزن ..ولا زلت أجهل السبب حتى الآن.
كنت في سن الثانية عشر ألهو مع أقراني بينما يخيم الحزن والألم على المنزل،ويعصف فقدان الأم كيان العائلة المكلومة، لم يلفت جموع المعزين الوافدين والمغادرين للمنزل انتباهي أن هناك مصيبة قد حلت بالعائلة ولم استطيع تفسير موقفي المتجاهل لوفاة أمي أبداً.
مضت سنتان على وفاة أمي أي عند بلوغي سن الرابعة عشر، عندها طرق الباب شاباً من عائلتي يطلبني للزواج، وكان شاباً لطيفاً ووسيماً يبلغ من العمر 22 عاماً وتمت الموافقة عليه بالإجماع..
بعد شهور من خطبتي تم الزواج .. وذهبت إلى منزل الزوجية..
كان قصراً كبيراً .. وقد خُصص لي جناحاً فاخراً لأعيش فيه أنا وزوجي..
كانت دقات قلبي تسابق أقدامي وأنا أدخل باب القصر.. ثم الممرات إلى حيث تقف بي الخطوات ..
وفي صباح اليوم التالي كان السفر لقضاء شهر العسل في الخارج..
سافرت مع زوجي في رحلة طويلة عشت فيها أجمل لحظات حياتي.. قضينا أوقات ممتعة وجميلة .. شاهدت بلدان مختلفة ومدن متعددة .. ثم عدنا إلى منزلنا ..
مرت الشهور ..وبعدها سنين ولم أحمل.. وبعد الفحوصات الطبية تبين أن زوجي عقيم .. لايمكن أن ينجب .. ولم يكن هذا الأمر يقلقني أو يثير مشاكل بيننا .. فقد كان حبي له وحبه لي ينسيني هذا الأمر.. فكنت سعيدة ومسرورة ،فحياتنا مليئة بالحب والسعادة.
العائلة الكبيرة كانت كلها تعيش في القصر ويسيطر عليه نظام صارم وإجراءات تُفرض على الجميع وعليهم احترام هذا النظام وكانت عمتي هي التي تراقب تطبيق هذا النظام وتفرض عقوبات صارمة على من يقوم بمخالفة هذه الأنظمة والقوانين .
وبالرغم من قسوتها وقوة شخصيتها إلا أنني أحبها وتحبني واحترم شخصيتها إلا أنني أمتعض كثيراً من أنظمة القصر وقوانينه .. فالجميع ملتزم بالقوانين والأنظمة إلا أنا كنت في أحيان كثيرة أخالف التعليمات والقوانين.. وكانت العقوبات تصدر في حقي.
بدأت أثير المشاكل في القصر وبدأ الجميع يمتعض من تصرفاتي..
مرت السنين وأكملت دراسة المرحلة المتوسطة وانتقلت للمرحلة الثانوية.. وبدأت تظهر لي مشاكل أخرى .. وهي غياب زوجي  عن  المنزل لأيام طويلة دون إبلاغي عن مكان سفره أو وقت عودته، فعندما اتصل عليه لايرد على اتصالاتي وعندما أسأل عنه يكون الجواب دائماً أنه في عمل وسيعود فلا تسألي  عنه أبداً.
جمالي الصارخ وأنوثتي الطاغية كانت تسبب لي مشاكل داخل القصر وخارجه ..فغياب زوجي لفترات طويلة عن القصر جعل البعض يطمع فيني ويحاول إغرائي لشهواته وملذاته، ورغم صغر سني والمرحلة الحرجة التي كنت أمر بها إلا أنني تعاملت مع الموقف بشدة وحزم ولم أعط أحداً فرصة للنيل مني.
في إحدى  الإجازات الصيفية سافرنا للخارج لعلاج زوجي من العقم فهو يحلم أن أنجب له طفلاً يملأ حياتنا فرحاً وسرورا، ولكن الفحوصات الطبية أكدت أن لا أمل إلا بالله ثم بالتلقيح الصناعي فهو الأمل الوحيد لإنجاب طفل .. وبعد مشاورات رضخنا للأمر وعملنا التلقيح الصناعي ثم حملت وأنجبت له طفلة جميلة.. لكن الفرح لم يكتمل فالطفلة التي وُلدت لم تكن طبيعية فقد كان لديها تخلف عقلي.
وبالرغم من تخلفها العقلي إلا أننا كنَّا نحبها كثيراً فهي نعمة من الله ولاراد لقضاء الله وقدره.
أكملت دراستي الثانوية ثم التحقت بالجامعة واخترت تخصص التعليم الخاص أو ما يتعلق بتعليم المعوقين والمتخلفين عقلياً وكان ذلك من أجل ابنتي حتى أتمكن من التعامل معها وتعليمها وتدريسها مستقبلاً.
خلال دراستي الجامعية لم أحاول التعرف على أحد أو أن أكسب صداقات أحد فقد كنت منعزلة عن الجميع ولا أدري مالسبب ؟ فقد يكون ذلك ناتجاً عن حياة الوحدة التي أعيشها في جناحي في القصر .. أو لأسباب نفسية أخرى.
بعد مرور سنتين من التحاقي بالجامعة حدث موقف مع إحدى زميلاتي في الجامعة اضطرني للتعرف عليها ونشأت صداقة بيني وبينها، فقد كانت متزوجة مثلي وكانت أفكارنا متقاربة إلى حد ما.
في إحدى ليالي الامتحانات النهائية بالجامعة حدث لي صعوبات في المذاكرة فاتصلت على صديقتي لسؤالها عن بعض النقاط، فقالت: هات كتبتك ومذكراتك لنذاكر سوياً في المنزل، فأنا وحدي وزوجي في الخارج.
جمعت كتبي ومذكراتي وذهبت لها في المنزل وذاكرنا المادة سوياً، ومضى الوقت ولم نشعر.
تركتني لحظات وذهبت إلى داخل المنزل لإحضار بعض الكعك والعصير.. وجلست أكتب بعض الملاحظات وأدون بعض النقاط المهمة لقراءتها لاحقاً.
دخل زوجها المنزل وفتح الباب وكان يترنح يميناً وشمالاً واتجه نحوي وحاول اغتصابي فدفعت به إلى الحائط وجمعت أوراقي وخرجت مسرعة إلى الخارج واتجهت إلى منزلي.
كنت ارتجف من الرعب والخوف والموقف الصعب الذي كنت فيه قبل لحظات..
وأنا في طريقي للمنزل اتصلت بي صديقتي تسألني أين أنت، فقلت لها أنا خرجت فقد اتصل بي زوجي وكان غاضبا ًوخرجت بسرعة ولم استطع الانتظار لإخبارك..
كذبت عليها ولم أقل لها الحقيقة حتى لا أفسد عليها حياتها العائلية..
كانت تلك هي المرة الأولى والأخيرة.. التي أزورها في منزلها .. فلقاءاتنا اللاحقة أصبحت خارج المنزل في مقهى قريب من منزلي ..
برغم الموقف الذي حدث من زوجها إلا أنها ظلت صديقتي الوحيدة في حياتي ولم يؤثر ذلك الموقف على علاقتنا .. فليس ذنبها أن يكون زوجها سيئاً.
تخرجت من الجامعة .. وأصبحت لقاءاتي معها تتباعد شيئاً فشيئاً لكن علاقتنا لم تنقطع ..
دراستي الجامعية أفادتني في التعامل مع ابنتي المتخلفة عقلياً .. فكانت تكبر أمام  عيني وكان التعامل معها سهلاً بالنسبة لي بحكم دراستي المتخصصة في هذا الجانب.
بعد شهور من تخرجي من الجامعة حصلت على وظيفة في احد المعاهد المتخصصة في تأهيل المعاقين ومن لديهم تخلف عقلي، وكانت فرصة لي أن أندمج مع الناس وأخرج من عزلتي ووحدتي التي أعيشها كل يوم بين أركان غرف الجناح المخصص لي في ذلك القصر الفاخر.
كانت الأمور في ذلك المعهد بطريقة سيئة لم تعجبني فحاولت التأقلم معها لكنها كانت تزيد من الضغوط على نفسيتي المتهالكة والتي تعيش ضغطاً آخر في القصر.
كنت أعيش الوحدة في غياب زوجي الطويل عن المنزل وكنت أعيش الوحدة في غياب أبي وأخواني وأخواتي عن حياتي .. فتمر الشهور الطويلة دون أن أرى أحدهم أو يتصل بي أحدهم أو يسأل.. كنت أعيش حياة مادية بمعنى الكلمة .. فالجميع يبحث عن مصالحة الشخصية ويعيش حياته بعيداً عن الآخرين، حتى والدي الذي تزوج بأخرى بعد وفاة أمه أصبح يعيش حياته الخاصة بعيداً عن أولاده وكذلك أخواني كلٌ في فلك يسبحون.
أصبحت حياتي لابنتي ووظيفتي التي أعيشها بين مد وجزر أحاول وأحاول أن أتأقلم مع وضعي الوظيفي لكن جهودي كانت تذهب أدراج الرياح ومقاومتي للوضع السيئ في المعهد زادني هماً وقلقلاً آخر على الوضع النفسي السيئ الذي أعيشه في حياتي الخاصة وهو مادعاني لتقديم استقالتي.
عدت لحياتي الخاصة وتربية ابنتي .. عدت لوحدتي .. لحياتي المشبعة بالصراعات والضغوط النفسية .. عدت للتفكير والحديث الطويل مع نفسي .. لليالي الطويلة التي أقضيتها بانتظار قدوم زوجي.. الغائب الأكبر عن حياتي.
عدت لأحلامي .. لآمالي.. لطموحاتي.. عدت لأنفاسي وآهاتي المتعبة ..لوسادتي وفراشي وغرفتي وعالمي الخاص وحيدة دون أن يشعر بي أحد حتى أقرب الناس لي.. زوجي.
أصبحت لا أغادر غرفتي إلا للاطمئنان على ابنتي .. وأعود مرة أخرى لعالمي الخاص ..
زاد غياب زوجي .. وزادت متاعبي النفسية .. أصبحت أعيش فراغاً عاطفياً رهيباً.
في تلك الفترة توفي أبي .. وبوفاته انقطع آخر أمل في حياتي ... فالشخص الذي كنت أشعر أن وجوده يشكل لي سنداً حين البأس مات.. فعلى الرغم من غيابه الكامل عن حياتي إلا أن هذا الشعور ظل يلازمني حتى وفاته.
زادت المشاكل وزادت الضغوط النفسية وكبرت الفجوة بيني وبين زوجي، فغيابه الطويل عن المنزل وعدم إبلاغي عن مكان سفره وإصرار أمه على ألا أسأل عنه وتأكيده الدائم علي ألا أتصل به في غيابه.. جعلني التزم الصمت على كل مايحدث وأجبرني على أن أعيش حياتي كما تريد أمه وكما يريد هو .. بلاطعم أو رائحة .. حياة أحياءٍ أموات.."عيشي حياتك بعيداً عن السؤال والاستفسار" هذه هي الحياة التي أرادوا لي أن أعيشها.
حاولت أن ألتمس طريقاً لأعيش حياة أخرى غير الحياة التي أعيشها الآن لكن كل محاولاتي باءت بالفشل .. وأصبحت أعيش مللاً وقلقلاً وخوفاً وفراغاً لايطاق .. فكان الخيار لي هو الانتحار، أن أتخلص من حياتي وأرتاح إلى الأبد.
ابتلعت عدة أقراص منومه وذهبت في نوم عميق إلى موتي ونهايتي .. لكن كل الذي خططت له باء بالفشل، فقد دخل زوجي بعد تناولي للأقراص المنومة وعند مشاهدته لوضعي وعلبة الأقراص بجانبي خاف وارتعب واستدعى الإسعاف ونقلوني للمستشفى، حيث عملوا لي الإسعافات الطارئة لمثل حالتي ووصلت الشرطة للتحقيق في الأمر.
لكن قبل وصول الشرطة كان زوجي وأخوته يحاولون إقناعي بعدم الاعتراف بالانتحار خوفاً على سمعة العائلة لا خوفاً علي.
حضرت الشرطة وذكرت لهم أنني تناولت الأقراص بالخطأ وليس هناك نية للانتحار..
عدت إلى منزلي بعد أيام قضيتها في المستشفى، ولم يكن يعرف بالأمر سوى زوجي وأمه وأخوته، حتى أخواتي وأخوتي لم يصل لهم الخبر .. فخوف الفضيحة كان يسيطر على العائلة لذا تكتموا على الأمر، ولأنني أعيش حياة مادية بعيدة عن روح الترابط الأسري.. لم ينتبه أحد لغيابي ولم يسأل أحد عن أحوالي.
رجعت لحياة الملل والقلق والخوف والغربة والوحدة.. كنت أحسب أن حياتي ستتغير بعد حادثة الانتحار لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.
الأيام تمر كأنها سنين والساعات تمر كأنها شهور والدقائق كأيام..الخوف يقلق راحتي .. أغلق الأبواب بإحكام خلفي خوفاً من دخول أحدهم علي.. فأنا وحيده.. والمواقف التي عشتها داخل المنزل وخارجه .. ونظرات المحيطين بي من الرجال تشعرني بالخوف والرعب وتجعلني لا اشعر بالأمان فالنوايا مبيتة للهجوم علي وافتراسي متى ماسنحت الفرصة.
أعيش بلا أمان والفراغ العاطفي ينهكني ويعصف بكياني ووحدتي تجعلني محط أنظارهم وهو الذي جعلني أمكث جلَّ وقتي في غرفتي وعالمي الخاص.
حتى الحب الذي عشته سنوات قليله أصبحت افتقده شيئاً فشيئاً، بل أشعر به يضعف ومشاعري نحو زوجي بدأت تموت وتموت.. الحنان والحب والخوف والرعب لايجتمعون في قلب واحد، فالإحساس بخروج زوجي من حياتي يكبر مع مرور الأيام والسنين ويزيده غيابه الدائم وعدم اتصاله بي وعدم اطمئنانه علي في غيابه.
يوماً بعد يوم تزيد المأساة وتدفعني الوحدة إلى حافة الجنون.. تعيدني حياتي البائسة مرة أخرى إلى التفكير بالانتحار والتخلص من حياتي.
حاولت الاتصال بزوجي والاطمئنان عليه لكن لامجيب، حاولت وحاولت حتى رد على اتصالي .. تحدثت معه حديث الروح للروح .. لكن كان يتعذر بانشغاله وانه سوف يتحدث معي لاحقاً ..
انتظرت اتصاله ساعات بل أيام طويلة لكنه لم يفي بوعده ..
وعدت مرة أخرى للوحدة .. والحديث الطويل مع النفس..
عدت للتفكير الجدي في الانتحار والتخلص من حياتي .. أريد أن ارتاح.. من هذه الحياة التي تقتلني وتعذبني ..
فكرت أن اتصل به وأقول له أن لم يسمع لي ويخرجني من هذه الحياة فسأتخلص من نفسي وانتحر..
أعدت التفكير مرات ومرات في الاتصال به .. وفعلت .. لكنه لم يرد على الاتصال، فكتبت له رسالة على الهاتف المحمول بأنني سأنتحر وأغلقت هاتفي وشرعت في الانتحار
فاتصل بأهله بسرعة وكسروا الباب واحضروا الطبيب وتمت معالجتي هذه المرة في المنزل دون الذهاب للمستشفى.
عاد زوجي في اليوم الثاني.. وكان غاضباً جداً .. وأسمعني من الكلام القاسي مالم اسمعه في حياتي .. كان كلاماً قاسياً .. لكنه بالنسبة لي عذباً حلواً .. فقد مرت سنين طويلة على آخر حديث بيني وبينه وحديثه معي تلك الليلة أشعرني بالأمان وجعل دموعي تتساقط على وجنتي.. فراحتي ومشاعر السعادة والفرح لم تترك لي مجالاً للحديث فنزلت دموعي لتغسل همومي وأنا استمع لحديثه.. متعبة.. مرهقة بين يديه.
طال حديثنا تلك الليلة حتى تمنيت ألا ينتهي.. فقد أعاد لي البسمة والفرحة والسعادة والحنان والحب بعد زمن طويل من الألم والوحدة والخوف والحزن والكره والحقد...
في نهاية حديثنا اتفقنا على أن أخرج من هذا القصر ونعيش في منزل مستقل، فالحياة هنا قد تدفعني إلى انتحار آخر ، وهو ماحدث فعلاً فقد انتقلنا إلى مدينة أخرى ومنزل آخر، أعيش فيه مع ابنتي وزوجي ..
دخلت حياة أخرى في منزلي الجديد فقد أصبحت أنا الآمر الناهي في المنزل، فهناك خدم وسائق تحت إمرتي ومنزل كبير وحرية وحياة أخرى لابنتي.
لكن بالرغم من اختلاف المكان والحياة اليومية لي إلا أن زوجي استمر في غيابه عن المنزل وعين لي سكرتيراً ومصروف شهري للوفاء بالالتزامات الضرورية لحياتي وحياة ابنتي.
استمر غيابه الطويل عن المنزل وسفرياته المتعددة، وأصبحت أعيش الوحدة والقلق والخوف مرة أخرى.
كنت أعيش حرية مطلقة وحياة رفاهية .. لكن الفراغ العاطفي يقتلني بالرغم من وجود المغريات والبيئة المتوفرة للانحراف والبحث عن السعادة المؤقتة والحب الزائف.
لا أريد سوى زوجي وحياتي الطبيعية..كنت ابحث عن زوجي في حياتي فلا أجده.. لكن إصراري على إعادته لحياتي، جعلني أبحث عن أسباب غيابه وسفرياته، ففتشت ملابسه وأوراقه وهاتفه لكن لم أجد شيئاً يدينه أو يثبت أن لديه علاقات..
لايمكن لرجل أن يعيش خارج منزله بهذه الصورة دون أن يكون له علاقات أو على الأقل منزلاً آخر وزوجة أخرى..
زادت شكوكي وأصبح الأمر هو محور اهتمامي اليومي، فمساحة الحرية التي أعيشها الآن جعلت لي مجالاً للتفكير في هذا الأمر وتركت لي حرية البحث والتقصي خلف هذا الرجل.
بحثي الدائم وتفكيري المستمر في الموضوع أتى بثماره .. فبينما كنت في طريقي للمنزل لفت نظري سيارته تقف أمام إحدى المقاهي العائلية، فطلبت من السائق الوقوف ونزلت للمقهى لعلي أجده متلبساً بالجرم المشهود..
دخلت المقهى وقلبي ينبض بسرعة وأطرافي ترتعد ..يكاد الخوف أن يسقطني ..
بحثت داخل المقهى حتى وجدته في مكان بعيد منعزل يتجاذب أطراف الحديث مع امرأة شابة صغيره.. وكانت ضحكاته تملأ المكان.
خرجت مسرعة دون أن يراني .. لم استطع مقاومة دموعي وألمي وحسرتي وغضبي ..
لم استطع تصور الموقف.. فأنا زوجة وأم وامرأة لها كيانها ولها مشاعرها وعواطفها..
نعم كان لدي شك أن لديه علاقات خارج المنزل.. لكن لم أتصور أن يصبح هكذا.. ولم أتوقع أن أراه بهذه الصورة.. فقد كانت صورته في خيالي أكبر وأجمل من مارأيته هذا اليوم.
رجعت إلى المنزل .. لاأدري ماذا أفعل ولمن أشتكي ولمن أتحدث .. دخلت غرفتي ورميت بجسمي على سريري وبكيت حتى غالبني النعاس ونمت..
صحوت في المساء وصورة الموقف لازالت في ذاكرتي ..
جلست على كرسي في زاوية الغرفة أفكر في حالتي وضعفي وحياتي.. تراودني الأفكار من كل حدب وصوب ..يقطع علي أفكاري صوت ينادي ( انتحري وتخلصي من حياتك).
أحاول أن أشغل نفسي بأفكار أخرى عن الاستماع لهذا الصوت.. فهو صوت الشيطان يشجعني على الانتحار..
لكن وضعي اليوم غير الأمس .. فلدي من يستحق أن أعيش له.. ابنتي.. التي لاتعرف في الحياة سواي .. ولاأحد يستطيع التعامل معها سواي .. فلمن أتركها وأرحل؟
هي الأمل بالحياة أن كان هناك أمل.. وهي الشيء الجميل في حياتي أن كان بها جمال.. وهي الفرحة والسعادة التي بقيت لي بعد أن عشت الحرمان والخوف والذل والتعاسة.
لكن ماذا أفعل مع من خان حبي وخان إخلاصي وآلمني مرات عديدة وأصابني في مقتل هذا اليوم ؟
قررت أن أتحدث معه في الموضوع، فربما تكون زوجته، لاعشيقته، لا أريد أن أظلمه فلازال له في قلبي حباً ومودة.
اتصلت به  وكعادته لم يرد على اتصالي .. فحاولت مراراً ولم انجح .. فأرسلت له رسالة طويلة على الهاتف المحمول .. قلت له أنني شاهدت الموقف اليوم، فلماذا يفعل بي هكذا، لماذا يتحجج بالسفر والعمل وهو يقضي متواجد في المدينة ولايأتي للبيت.
لم تمر ساعة من إرسال الرسالة حتى تفاجأت بوصوله للمنزل ..
دخل علي غرفتي غاضباً .. وتفوه بكلام قاسٍ وقوي لم يؤثر فيني فالموقف الذي شاهدته اليوم كان أقسى وأقوى من أي كلام أو تعبير ..
قلت له: لماذا تفعل بي هكذا ؟ أليس لك بيت وبنت نحيا بوجودك ونسعد ونفرح بدخولك علينا، أليس لك زوجة تنتظر الأيام والليالي الطويلة دخولك عليها، تعيش بك وتموت في غيابك..تتجرع ألم الوحدة والفراق والحزن.. ألا تحس بوجودنا في حياتك، لماذا تفعل بنا هكذا؟ لماذا تتركني وتعيش مع غيري.. لماذا؟ إذا كنت لا تريدني فاتركني أعيش حياتي، أبحث عن حياة أخرى ومستقبل آخر..
زاد كلامي من غضبه .. وأخرج مافي جعبته كلاماً قاسياً جداً ..
قال لي : اسمعي .. اعتبري نفسك من هذا اليوم أرمله!! وعيشي حياتك كما يحلو لك بدوني ..عيشي لتربية ابنتك والعناية بها ..لاتنتظري قدومي مرة أخرى لهذا المنزل أبداً ..
افعلي ما يحلو لك.. ابحثي عن علاقات أخرى ..وعيشي حياتك ..فأنا في حياتك ميت وأنت أرملة .. انتهى من كلامه وأغلق باب الغرفة بقوة ورحل.
أحسست بدوار وغثيان والغرفة تدور بي .. كان كلامه قاسياً جداً ومفاجئاً لي.
لم أتوقع أن ينزل في كلامه إلى هذا المستوى المنحط من التفكير.. ولم أتوقع أن يقول لي مثل هذا الكلام.. أحسست أن الرجل قد تغير كثيراً.. وكلامه هذا أقرب للهذيان من الواقع.
ألهذه الدرجة يريدني أن أقع في الخطيئة والحرام.. لماذا؟
هل يريد أن يقبض علي بالجرم المشهود ؟
هل يريدني أن أقع في ماوقع فيه من خطيئة ؟
أسئلة تدور في رأسي.. لا أجد لها أية إجابة..
 يالحقارة هذا الرجل .. ويالسوء ماقال وفعل.
لم يعد لديه غيرة على محارمه .. ولم يعد لديه وازع ديني أو حتى إنساني ..
انغماسه في الحرام والخطيئة وعالم المومسات والبغايا جعله يقول ماقال.
ياالله ماذا أفعل ؟
كيف أتصرف مع هذا الرجل ؟
فكرت طويلاً في الموضوع .. ووصلت إلى قناعة أن أظل هكذا أرمله كما يقول زوجي
فليس لدي أب ولا أم يمكن أن يحملا همي، وأخواني وأخواتي كل منغمس في حياته لا يريد أن يتدخل في حياة الآخرين ولا يريد أن يغوص في مشاكل الآخرين، لا أقدر على طلب الطلاق لأنني عشت حياتي في رفاهية ولو طلقني لن أستطيع توفير مستلزماتي اليومية كما أنا الآن.
يعرف أنني لا استغني عنه ولن أعيش بدونه فهو الذي يوفر لي كل طلباتي ومستلزماتي.. ومتأكد أنني لن أطلب الطلاق، وهذا ماحدث فعلاً .. فقد رضيت بوضعي هكذا أرمله أعيش لابنتي فقط.
 أعيش حياةً ظاهرها الرفاهية وباطنها الفقر والعوز والألم والحسرة والفاقة والحاجة إلى كل الأحاسيس والمشاعر والعواطف التي لا تباع ولا تشترى ولا يمكن لأموال الدنيا أن توفرها لي.
عاد زوجي إلى حياته الخاصة التي صنعها من الحرام والخطيئة والإثم، وعدت أنا لرحلة الألم والحزن والوحدة.. أتجرع المرارة والقهر كلما أرى صورته المعلقة على الحائط.
تمضي السنين وأنا أبحث في ذكرياتي عن لحظة فرح أو سعادة أو سرور.. فلا أجد سوى آهات وزفرات .. دموع وحزن..ألم ..خيانة..وحدة..وصراع مع النفس والهوى والشهوات..قلبٌ يئن .. وعيونٌ أتعبها السهر..
صوتٌ بَحَّ من كثر البكاء..ودموع اعتادت السقوط باستمرار حبات حبات.. لم تكن تسقط يوماً على الأرض .. بل كانت تسقط على وجنتي لتزيدني ألماً وتشعرني بمأساتي ..تنهمر كمطر السماء يروي الأرض لتنبت عشباً أخضر..وحياة جديدة..لكنَّ دموعي تسقط لتسقي وتغذي الكراهية والحقد في نفسي لذلك الرجل وكل ماهو رجل في هذه الدنيا .
تمضي السنين بامرأة اختارت الوحدة بعيداً عن المجتمع وتأويلاته..
اختارت المنزل على الحياة خارجه ..
اختارت المضي في الحياة بلا قلب ولا عواطف وبلا إحساس على أن تكون سلعة رخيصة تباع وتشترى لإحياء ليالٍ حمراء في أحضان الحثالة من البشر..
اختارت الصمت ليكون بديلاً للصراخ والثرثرة والكلام في الممنوع ..
وجدت أن الصمت حياة أخرى بعيداً عن مزالق الكلمات والحروف والجمل وصفحات من الكلام الذي لن يحرك شعرة واحدة لرجل أصبحت آخر اهتماماته..
عشقت الصمت ليكون سر الحياة التي حرمتني طفولتي وتركتني  في ريعان شبابي  أهيم بلا اتجاه فبوصلة حياتي قذف بها زوجي في بئر سحيق عندما حكم عليَّ أن أعيش حياتي هكذا في صمت.. لا أسمع سوى أنفاسي المحترقة.

الأحد، 6 فبراير 2011

المجتمعات النائمة

الأحداث الأخيرة ا لتي عصفت بتونس وجعلتها على صفيح ساخن في ظرف أيام معدودة ثم التحولات السريعة والتغييرات المتلاحقة في الأحداث،وبعد ذلك ثورة الشعب في مصر خلال الأيام الماضية والتي لازالت أحداثها تعصف بالمجتمع المصري بمؤسساته المختلفة تجعل الحكومات العربية تعيد التفكير في أسلوب وطريقة تعاملها مع شعوبها، وتجعلها تعيد النظر أيضاً في نظرتها غير الواقعية للأمور وتحاول أن تعيد ترتيب أوراقها وأولوياتها لتكون شعوبها هي أولى اهتماماتها وكذلك تدفعها إلى تغيير كثير من القوانين والنظم لتعطي مزيد من الحرية والشفافية والعدالة الاجتماعية.
فبعد أن تردد على مسامعنا كثيراً مصطلح " الخلايا النائمة" وما يعرف بتنظيم القاعدة من خلال وسائل الإعلام كثيراً وجدنا أنفسنا اليوم ومن خلال الإعلام الرسمي والتجاري المقروء والمرئي وكذلك الإعلام الجديد أو ما يعرف بالمجتمعات الافتراضية على الانترنت نتجه إلى مفهوم جديد يمكن أن يسيطر على الساحة طويلاً   ـ خصوصاً في العالم العربي ـ وهو ما أسميه المجتمعات النائمة التي يمكن أن تثور وتخرج إلى الشوارع والساحات في تظاهرات بعيده جداً عن التنظيمات السياسية والمؤسسات الرسمية، فالمجتمعات العربية تعاني الفقر والجهل والظلم وغياب الشفافية والفساد وكذلك غياب العدالة الاجتماعية وتركز السلطة والمال في يد فئة قليلة جداً من الشعب  واتساع الهوة بين الأغنياء الأقل عدداً والفقراء الذين يشكلون النسبة العظمى من الشعوب وتزايد أعداد العاطلين عن العمل واتساع رقعة الجريمة.
تلك العوامل مجتمعة أدت إلى قيام الثورة في مصر وتونس على الأنظمة الحاكمة في تلك البلدان والواقع ينذر بقيام ثورات أخرى مماثلة في عدد من البلدان فالمجتمعات النائمة تنتظر اللحظة والوقت المناسب لتثور وتخرج إلى الشوارع مطالبة بتغيير تلك الأنظمة أو إجراء العديد من التغييرات في العديد من القوانين والأنظمة والتشريعات لتوفر لهم المزيد من الحرية والرأي والمشاركة في الحكم والقضاء على الفقر والفساد وتوفير مزيد من فرص العمل للعاطلين وتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية، ويعزز تلك المطالب الانفتاح الثقافي والمعرفي والتكنولوجي التي تعيشه بلدان العالم وتقدم وسائل الاتصال ومنها الإعلام والانترنت والذي كان له دور بارز في تثقيف المجتمعات العربية وظهور ما يعرف بالإعلام الجديد وهو الإعلام غير الرسمي الذي يتمثل في مواقع الحوار والنقاش على الانترنت وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي التي كان لها دور كبير في نقل أحداث كثيرة حول العالم لم تستطيع قنوات الإعلام الرسمية على نقلها.
إن المستقبل ينذر بمزيد من الأحداث قد تتغير معها خريطة العالم العربي ونجد أنفسنا مجبرين على تغيير جغرافيا العالم العربي بسبب المجتمعات النائمة التي لم تستطع الحكومات العربية رغم كثرة اجتماعاتها الدورية على التنبؤ بأحداثها ويعود ذلك إلى غياب الإستراتيجية واستشراف المستقبل الناتج عن سوء الإدارة في المجتمعات العربية.